الاولىمنبر
أخر الأخبار

بطاقة الاحتراف الفني : الأزمة و الحلول

بقلم حمدي مخلوف موسيقي ومؤلف دكتور في الموسيقى وعلومها أستاذ بالمعهد العالي للموسيقى جامعة تونس

بطاقة الاحتراف الفني في تونس هي مسألةٌ تُشَبّهُ ب”ثعبان الماء” كما يُعبّر عنه بالفرنسية. في المجال الموسيقي، يحوم الجدل عليها وعن صيغها وطرق إسنادها ومستحقيها كل سنة. سأحاول في هذا المقال دون إطالة أن أبسط عيوب منظومتها الحالية وأن أقترح حلا أعتقده جذريا ومنصفا للجميع من هواة ومحترفين وقدم وجدد في الميدان.

المشاكل والعيوب

  • تُسند بطاقة الاحتراف إثر اجتياز امتحان في الكفاءة الموسيقية. والحال أنّ هذا الامتحان في محتواه وطريقة إجراءه لم يعد يتناسب البتة مع مقتضيات العصر الحالي. وهو اليوم شكل من أشكال استشفاف الموهبة الموسيقية أو طاقة الاستيعاب الذهني لدى التلاميذ المبتدئين المترشحين للانضمام إلى المعاهد العليا للموسيقى.
  • تُسنَد البطاقة أيضا من قبل لجنة فنية متكونة من أعضاء تُعيّنهم إدارة الموسيقى بوزارة الشؤون الثقافية حسب الاختصاص. والحال أن ذلك به عيبان أساسيان يمسّان بمسألة الأمانة في التقييم : العيب الأول هو أنّ اختيار الأعضاء مهما كان صوابه فيه شيء من المحاصصة. والعيب الثاني هو إمكانية وجود شبهات عند إسناد البطاقة لزيد أو عمر، خاصة عند غياب معايير واضحة للتقييم خلال الجلسات التي بدورها ليست علنية ولا تحضرها مثلا لجنة فنية أخرى محايدة مهمتها مراقبة سير العمل.
  • لبطاقة الاحتراف الحالية نوعان : نوع قصير الأمد بمدة صلوحية قدرها سنة واحدة دون تجديد. ولصاحبها إجبارية إعادة الاختبار حتى يتحصل على واحدة جديدة. ونوع طويل الأمد بمدة صلوحية قدرها 5 سنوات، تتجدد آليا دون اختبار مدى الحياة. هذا التقسيم في أنواع من الحيف والتفرقة وعدم الموضوعية. فعلى سبيل المثال ، يمكنني اليوم أن أتحصل على بطاقة احتراف لمدة 5 سنوات وأن لا أشتغل في الميدان الفني. أتمتع بمقتضى البطاقة بكل إيجابياتها دون أن يكون لي دور في الفعل الإبداعي أو في المساهمة في دفع عجلة الاقتصاد الفني وما إلى غيره من المسائل. وزد على ذلك، أجددها كل 5 سنوات آليا ومدى الحياة…

الحل

الفنان، قبل أن يكون كذلك، هو اليوم صاحب أعمال حرة. ميدانه فيه من الحرية الكثير : الحرية في الإبداع، الحرية في اختيار النمط الموسيقي الذي يريده، الحرية في إبرام عقود مع شركات أو خواص، الحرية في وقت العمل ومكانه، الخ. وعلى أساس مبدأ الحرية، يكون الحل لمسألة بطاقة الاحتراف الفني في هذه النقاط

1- إذا سلّمنا بأن الموسيقي والفنان هو صاحب أعمال حرة، يستلزم إذن العمل الفني الإبداعي إنشاء غرفة صناعية لدى منظمة الأعراف. وتبقى النقابات للشغالين فقط الذين يعملون تحت إمرة الفنانين. (ما يحدث في تونس هو العكس تماما).

2- إذا سلّمنا بأن العمل الفني في حريته يمكن تشبيهه بعمل الطبيب أو المهندس أو المحامي، فذلك يستوجب إنشاء عمادة للفنانين تقوم على المسائل التنظيمية للقطاع بالتعاون مع وزارة الإشراف. وفي هذا المجال هناك مبادرة جدية بعنوان : “العمادة الوطنية للفنانين والمبدعين التونسيين”، يشرف عليها السيد أنور القبلاوي، ووجب الالتفاف حولها والنظر فيها.

3- إذا سلّمنا بالنقطتين الأولى والثانية، وجب الإقرار بأن الميادين الفنية هي ميادين تطورت بقدر كاف لكي تتجاوز مسألة الاختبارات واللجان. اليوم، يُدرّس الفن في الجامعات : موسيقى، مسرح، سينما، فنون تشكيلية، تعبير جسماني،… وجب إذن الاعتراف الحصري بشهادات الجامعات عند ممارسة الفعل الفني (قس مثلا على الطبيب : لا يمكن له ممارسة الطب دون أن يكون له شهادة فيها). بالنسبة للموسيقى، هناك شهائد المعاهد العليا للموسيقى وشهائد المعاهد الوطنية والجهوية.

4- إذا سلّمنا بالثلاث نقاط التي سبقت، يصبح تغيير بطاقة الاحتراف وجوبيا وتعويضها ببطاقة اعتماد فني، تسندها العمادة بعد استكمال ملف في الغرض، صلوحيتها سنة واحدة ويقع تجديدها في كل مرة والاستظهار بما يثبت النشاط الفني حسب مقاييس مهنية تُضبط الغرض (لا مجال لبطاقات مدى الحياة). كما أن إسناد البطاقة يكون بعديا، أي بعد أن يقوم الفنان بإثبات نشاطه وعمله في المجال الفني من خلال نظائر للعقود المبرمة وشهائد في خلاص الأداءات والضرائب وما إلى ذلك. وليس قبليا مثلما يحدث الآن في تونس وترك المجال للتأويلات بأنواعها

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق